خيار ضربة عسكرية ضد بلاد فارس ما قبل إعلان نتائج الانتخابات في دولة الكيان، قد يكون "خيار الإنقاذ الوحيد" لنتنياهو، لكنه خيار ترامب التاريخي لفرض مسار إقليمي جديد

«الإمبراطورة الزباء.. آخر الكنعانيين» لصبحي فحماوي

«الإمبراطورة الزباء.. آخر الكنعانيين» لصبحي فحماوي

تاريخ النشر: 2026-10-27 | 13:53

علي أبوحبلة
علي أبوحبلة

قراءة نقدية في الرواية التاريخية بين استعادة الذاكرة وأسئلة الحاضر

 

ليست الرواية التاريخية مجرد عودة إلى الماضي، ولا محاولة لإعادة سرد الوقائع التي حفظتها الكتب، بل هي جهد إبداعي لإعادة اكتشاف الإنسان داخل التاريخ، وقراءة ما تركته الصراعات السياسية والحروب وتحولات السلطة من آثار في الهوية والذاكرة والمجتمع. ومن هذا المنظور، تأتي رواية «الإمبراطورة الزباء.. آخر الكنعانيين» للروائي والأديب صبحي فحماوي، لتفتح باباً للنقاش حول العلاقة بين التاريخ والأسطورة، وبين الرواية والهوية، وبين سقوط الممالك القديمة واستمرار الأسئلة التي تواجه المجتمعات العربية في حاضرها.

أولاً: الرواية بوصفها استعادة للتاريخ والهوية

يستعيد صبحي فحماوي شخصية الزباء، المرتبطة في الذاكرة العربية بملكة تدمر، ويعيد تشكيل عالمها الروائي من خلال نشأتها وتكوينها الثقافي والسياسي، وصلتها بتدمر ومكانتها في محيطها، وصولاً إلى صراعها مع القوة الرومانية.

ولا يكتفي العمل بتقديم الزباء بوصفها شخصية ملكية تحكم وتخوض الصراعات، بل يمنحها أبعاداً إنسانية وفكرية، ويجعل من شخصيتها مدخلاً إلى أسئلة أوسع: كيف تنشأ الدولة؟ وما الذي يمنحها القوة؟ وكيف تستطيع الشعوب حماية استقلالها أمام إمبراطوريات تتوسع بالقوة العسكرية والنفوذ السياسي؟

وتبرز في الرواية العناية بالهوية الكنعانية، وبالحضور الحضاري للمنطقة، وبالتجارة والعمران والمعرفة. كما يوظف الكاتب شخصية الإله الكنعاني بعل راوياً للأحداث، في اختيار سردي يمنح النص طابعاً أسطورياً ورمزياً، ويوسّع المسافة بين الحكاية التاريخية التقليدية والرؤية الروائية الحديثة.

وهنا تتجلى إحدى خصائص العمل: فالماضي لا يظهر باعتباره زمناً منقضياً، بل فضاءً لإعادة التفكير في معنى الانتماء، وفي قدرة الشعوب على كتابة تاريخها بعيداً عن روايات القوى المنتصرة.

ثانياً: البناء الفني واللغة والرؤية السردية

تقوم الرواية على المزج بين الوقائع التاريخية المتداولة والمخيال الأدبي، مع استحضار شخصيات وحكايات ارتبطت بتراث الزباء، ومنها جذيمة الأبرش وعمرو بن عدي وقصير. ولا يتعامل الكاتب مع هذه الحكايات بوصفها مادة جامدة، بل يعيد توظيفها داخل بنية روائية تسعى إلى تقديم تفسير إنساني وسياسي للأحداث.

ويُحسب للعمل أنه لا يحصر الشخصية النسائية في صورة الملكة أو المحاربة، بل يبرز التكوين الثقافي والطموح السياسي والقدرة على اتخاذ القرار. فالزباء في هذا التصور شخصية تتفاعل مع محيطها، وتدرك أهمية المعرفة واللغة وفهم الخصم، وتعمل على إعداد أبنائها لمواجهة تحديات الحكم.

أما اختيار بعل راوياً، فيمنح النص فرصة للانتقال من السرد الواقعي إلى التأمل الرمزي، لكنه يضع الكاتب أيضاً أمام تحدٍّ فني: تحقيق التوازن بين اللغة التاريخية والبعد الأسطوري من جهة، وحركة الشخصيات وتطور الأحداث من جهة أخرى. فنجاح الرواية التاريخية لا يتوقف على ثراء المعلومات وحده، بل على قدرتها على جعل القارئ يتفاعل مع الشخصيات بوصفها كائنات إنسانية لها مخاوفها وتناقضاتها وخياراتها.

ومن زاوية نقدية، تظل قيمة هذا البناء مرتبطة بمدى التوازن بين المادة التاريخية والخيال الروائي؛ إذ قد تتحول كثافة الرسائل الحضارية والسياسية، إذا طغت على نمو الشخصيات، إلى خطاب مباشر على حساب التوتر الدرامي. وهذه ملاحظة نقدية لا تنتقص من أهمية المشروع، بل تضعه في إطار النقاش الجاد حول الرواية التاريخية وحدودها الفنية.

ثالثاً: الأهمية التاريخية وحدود التخييل

تنبع أهمية الرواية من استدعاء تدمر بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً وسياسياً، ومن إعادة طرح الصراع الذي ارتبط بتوسع روما في المشرق. وتساعد هذه المقاربة القارئ على النظر إلى المنطقة باعتبارها فضاءً صنعته حضارات متعددة، لا مجرد هامش في تاريخ الإمبراطوريات الكبرى.

لكن من الضروري التمييز بين التاريخ والرواية. فالشخصية التاريخية لزنوبيا، ملكة تدمر التي واجهت روما في القرن الثالث الميلادي، ارتبطت بمصادر تاريخية متعددة، بينما تشكلت حول الزباء في التراث العربي حكايات وصيغ سردية ذات طابع أسطوري وشعبي. ولذلك لا ينبغي التعامل مع جميع تفاصيل الرواية، أو مع عنوانها الذي يربط الزباء بآخر الكنعانيين، باعتبارها حقائق تاريخية مثبتة.

إن وصف الزباء بأنها «آخر الكنعانيين» يمكن قراءته بوصفه اختياراً رمزياً يعبر عن رغبة الكاتب في استعادة جذور المنطقة الحضارية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات استمرارية تاريخية مباشرة بين الشخصية وكل ما تحمله الهوية الكنعانية من دلالات. وهنا تظهر أهمية القراءة النقدية التي تحترم حرية الروائي في التخيل، ولا تخلط في الوقت نفسه بين الخيال الأدبي والبحث التاريخي الموثق.

رابعاً: مقاربة الرواية بالواقع العربي والفلسطيني

تكتسب الرواية دلالتها المعاصرة عندما نقرأها في ضوء ما تعيشه المنطقة العربية من صراعات على الأرض والهوية والسيادة، وما تواجهه المجتمعات من تحديات تتصل بالانقسام الداخلي وضعف المؤسسات واختلال موازين القوة.

فالصراع بين تدمر وروما، كما يعيد العمل تخيله، يتيح للقارئ التفكير في العلاقة بين القوة العسكرية والاستقلال السياسي، وبين الطموح إلى بناء الدولة والقدرة على حماية مقوماتها. ولا يعني ذلك مساواة الماضي بالحاضر أو إسقاط أحداث الرواية على الواقع بصورة حرفية، بل استخلاص أسئلة عامة تتكرر في التاريخ: هل تكفي قوة القيادة من دون تماسك المجتمع؟ وهل تستطيع الدولة مواجهة التوسع الخارجي إذا كانت جبهتها الداخلية ضعيفة؟ وما دور المعرفة والتخطيط والتحالفات في حماية استقلالها؟

وفي السياق الفلسطيني، تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في ظل الصراع على الأرض والذاكرة والحقوق الوطنية، وما يرافقه من مخاوف على الهوية والوجود. فالتاريخ ليس بديلاً عن العمل السياسي والقانوني، لكنه يمنح الشعوب وعياً أعمق بجذورها، ويذكّرها بأن صون الهوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وحماية الثقافة، وتوثيق الرواية التاريخية، والتمسك بالحقوق المشروعة.

ومن هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها دعوة إلى التفكير في شروط البقاء الحضاري والسياسي، لا باعتبارها وصفة جاهزة لمواجهة تحديات الحاضر. فالاستفادة من التاريخ تقتضي فهم اختلاف الأزمنة والظروف، والتمييز بين ما يمكن استلهامه من الماضي وما لا يمكن نقله إلى الحاضر كما هو.

خامساً: صبحي فحماوي.. تجربة أدبية تتجاوز الحدود

يُعد صبحي فحماوي من الأسماء البارزة في الرواية العربية المعاصرة، وهو كاتب فلسطيني أردني، وُلد في قرية أم الزينات في فلسطين عام 1948، وانتقلت أسرته إلى الأردن بعد النكبة. درس الهندسة الزراعية في جامعة الإسكندرية، وحصل على دراسات عليا في هندسة الحدائق في الولايات المتحدة، وعمل في مجالات الإعلام والتحرير الصحفي، إلى جانب نشاطه الأدبي والثقافي.

ولا تنحصر تجربته في الرواية، بل تشمل القصة القصيرة والأقصوصة والمسرح والنقد. وتذكر سيرته المنشورة أعمالاً روائية متعددة، من بينها «عذبة»، و**«الحب في زمن العولمة»، و«قصة عشق كنعانية»، و«الإسكندرية 2050»، و«الأرملة السوداء»، و«صديقتي اليهودية»، و«أخناتون ونفرتيتي الكنعانية»، و«هاني بعل الكنعاني»، و«كليوبترا الكنعانية»**. وقد ترجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى، وتناولت دراسات نقدية تجربته الروائية وأشكال السرد التي يوظفها. كما حظيت تجربته باهتمام أكاديمي، ومن ذلك انعقاد مؤتمر دولي للرواية العربية في جامعة شعيب الدكالي بالمغرب عام 2019 تحت عنوان «دورة الروائي صبحي فحماوي».

وتكشف أعماله ذات الموضوعات التاريخية والكنعانية عن اهتمام متكرر باستعادة الماضي وإعادة قراءته من منظور معاصر. وهذا الاهتمام لا يقتصر على سرد الحكايات القديمة، بل يلتقي مع أسئلة الهوية والمنفى والانتماء والعلاقة بين الإنسان والسلطة، وهي موضوعات تتقاطع مع التجربة الفلسطينية والعربية في أكثر من مستوى.

خاتمة: حين يصبح الماضي مرآة للحاضر

تفتح رواية «الإمبراطورة الزباء.. آخر الكنعانيين» مجالاً لقراءة التاريخ من بوابة الأدب، وتعيد إلى الواجهة شخصية نسائية ارتبطت بالذاكرة العربية، في إطار سردي يمزج التاريخ بالأسطورة ويطرح أسئلة السيادة والهوية ومصير الدول.

وتتجلى أهمية العمل في أنه يدفع القارئ إلى تجاوز الحكاية المجردة نحو التفكير في شروط القوة والبقاء، وفي العلاقة بين الذاكرة التاريخية والوعي المعاصر. أما الحكم النقدي المتكامل على الرواية، فيظل رهناً بقراءة عناصرها الفنية جميعاً، من اللغة وبناء الشخصيات والإيقاع السردي إلى مدى التوازن بين التخييل والمرجعية التاريخية.

إن الأدب لا يعيد الماضي كما وقع بالضرورة، بل يعيد مساءلته، ويمنحه معنى جديداً في ضوء أسئلة الحاضر. وفي هذا تكمن قيمة الرواية التاريخية حين تنجح في الجمع بين متعة السرد وعمق الفكرة، وتترك للقارئ مساحة للتأمل لا مجرد إجابات جاهزة.

×
أخبار
عينات أولى تشير إلى خسارة كبيرة لنتنياهو 50 مقعد..التغيير 53 والعرب بين 17 و18 قادة الدول المصدرة للغاز يعتمدون "إعلان موسكو" في ختام قمتهم الثامنة برئاسة بوتين سفيرة السعودية ريما بندر في أمريكا تدعو إلى تحالف دولي لمواجهة الحوثيين بوتين يبحث مع بزشكيان الوضع في الشرق الأوسط قطر: على إيران وقف التهديد وضمان ‌حرية الملاحة بـ"مضيق هرمز" لإثبات حسن النية كولومبيا تنسحب من مجموعة لاهاي بسبب إجراءات التكتل تجاه إسرائيل انتخابات إسرائيل.. أعلى إقبال منذ 45 عاماً ونتنياهو يهاجم الأحزاب العربية تحذير أممي من "تطهير عرقي" في الخليل ومطالب بوقف فوري للتهجير القسري تركيا.. لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان توافق على مشروع قانون اتفاقية مكة الحوثيون: استهداف وزارة الدفاع في الرياض وإصابتها بشكل مباشر سلطات الاحتلال تحتجز وفداً برلمانياً أوروبياً وتواصل عمليتها العسكرية الواسعة في الخليل اعتقال إسرائيلي بشبهة محاولة اغتيال يائير غولان في تل أبيب إيران: محسن رضائي يلتقي مجتبى خامنئي لبحث شروط إنهاء الحرب إسرائيل أمام شبح العزلة الاقتصادية وتحذيرات من هروب الأموال رسالة إلى كالاس..60 نائبا أوروبيا يطالبون باجتماع عاجل لبحث فرض عقوبات على إسرائيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,561 شهيدا العليمي يدعو دول الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية هاري كين يحصد جائزة الكرة الذهبية 2026..ومبابي ثانيا مقاومة الجدار: حكومة الاحتلال تبحث بناء 608 وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية جيش الاحتلال يواصل حربه العدوانية في الضفة والقدس: اعتقالات وتخريب ممتلكات واقتحام الأقصى منصور يوجّه رسائل إلى الأمم المتحدة بشأن عدوان الاحتلال المتواصل في الخليل التحالف: اعتراض 3 صواريخ و 4 مسيرات أطلقها الحوثيين نحو مناطق في السعودية ترامب: إيران هي الراعي الأول للإرهاب في العالم مغني الراب ماكلمور يتعهد بالنضال حتى “آخر نفس” بافتتاح جولة فلسطين حرة ردا على حديث بن غفير عن تهجير فلسطينيين إلى تونس: ليست أرضا بديلة الأردن يشن غارات على مواقع إرهابية جنوب سوريا: “الردع الأردني – حمود” توتر في الموساد الإسرائيلي بسبب تأييد رئيسه لخطط نتنياهو العسكرية ضد إيران عشية الانتخابات لجنة أممية مستقلة: إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل استمرار الإبادة في غزة وزير الداخلية الأردني: القبض على منفذي اعتداء كنيسة الكرك كان نوعيا..والمنفذين أصحاب فكر تكفيري البرلمان العربي يؤكد مركزية القضية الفلسطينية ويدعو لدبلوماسية برلمانية فاعلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط